دواير - الرسالة ٩٠
هذه عروسك، حلالك، وتلمس ضفائرها فكأنها الياقوت معقود معقود، وتدندن:
- طريقي داير دواير.. يا حلوة يا أم الضفاير
وهي تبتسم، هذه عروسك، حلالك، وتفك ضفيرتها الأولى.. وتدندن:
- طريقي داير دواير..
- هتحكيلي؟
لن يحكي شيء.. طريقه داير دواير!
- أحكيلك إيه؟
- كل حاجة!
- كل حاجة؟ ده حكي كل حاجة يحتاج كل حاجة
- وماله؟ لو محكتليش تحكي لمين؟
وتحركت.. كأنما ستسحب ضفائرها من يديه، فعاد يقبض الضفيرة برفق ويتمتم:
- لو محكتلكيش.. محكيش أبدًا
- هتحكيلي؟
- أنا كل الفكرة إني طريقي داير دواير، مين يسمع كل ده؟
- أنا.. مش أنا حبيبتك؟
- إنتي حبيبتي
- هتحكيلي؟
- عندي ييجي ألف حكاية
- أسمعهم
- بس مش كلهم حكايات، فيهم حكايات، وفيهم نص حكايات، ناقصين، وفيهم شخبطة، وفيهم دوشة وفيهم لعبكة، ومنهم تعاويذ أنا ذات نفسي مفهمهاش
- أسمعها!
- مش هتعجبك يا أم الضفاير
وابتسم، ولكنها لم تهدأ:
- مش عايزة أسمعها أفرح، ولا أسمعها أفهم
- أومال تسمعيها ليه؟
- أسمعها.. عشان تقولها
- ولا تزهقيش؟
- إحكيلي!
طريقه داير دواير.
إنفلتت الضفيرة الأولى:
مذكراتي في مايو ويونيو - الرسالة ٨٨ (يونيو ٢٠٢٥)
٦ مايو
كلمتها أمس ولم ترد، هل في الأمور أمور؟
يدهشني أن يسبقني الناس بالملل.
٧ مايو
قالت تتحداني:
- بس أنا عارفة انت بتاع نسوان
ضحكنا وبين يدي إستسلمت بلا مقاومة.
وفي الصباح أفقتُ من الحلم وصدري يشتعل بالرغبة المكبوتة، ووسادتي تلعنني.
٨ مايو
راسلني رئيس النشر بالدار، وقال بالحرف:
- رمزي باشا.. ازيّ الحال يا حبيبي؟ كنا عايزين نتكلم في آخر مجموعة.. الناس قلقانين اوي من الموضوع بتاع آخر قصتين، إنت شاتم الريس بإسمه
والعجيب أنه يتكلم عن جمال عبد الناصر
٩ مايو
قالت لي:
- أنا بحبك.. بس إنت ليه مش بتطمني؟
حبكتُ الرد وقبلتها وتناسينا الأمر، وفي القيلولة رأيت صلاح الدين يصارع الإسكندر في حلم يقظة، وصحوت متعرقًا مبللٌ كالإسفنجة.
١١ مايو
لا جديد، ولكن أتاني الوحي بهذا الحوار بين البطل والبطلة:
- الحب طاقة تمتد بلا كابح
- وكذا هو الملل!
كسم التعريص.. أنا ليه مش بكتب الأسماء على طول؟ أسهل ها؟!
١٣ مايو
زيارتي الأخيرة لروما علقتني أكثر بأغنية historia de un amor، ورأيت وجه (ح) ووجه (أ) ووجه (ن) و(ن) و(م) في آن واحد، ورأيت سرب حمام يحلِّق حول الكوليسيوم، وبالمساء أفرغت طاقتي في أحضان الإيطالية التي تعرفت عليها هذا الأسبوع.. ونسيت همومي لثلاث أيام متتالية.
٢٠ مايو
وأنا أسجد في صلاة الفجر انتابتني تراتيل الشيطان بأنه ما أتفه الصلوات والأديان، ثم مع دعاء ربي إشرح لي صدري، إنجلت كل الوسوسة، وبكيت بحرقة
٢٤ مايو
لمَ أذكرها اليوم؟ لأني.. وبطريقة لا تحتملها سوى هذه المذكرات.. أشتاق لثديها.. ولنظراتها المملوءة بالشهوة.. ولكني أُدثِّر هذا كله في الغرام.. منعا للإحراج
٢٨ مايو
إكتشفت اليوم أني أقترب من ذلك العمر الذي يتساءل فيه الناس بجدية: لمَ لم تتزوج؟ وتتوقع مني كل إمرأة ان اركع لها بعد كل لقاء لأطلب يدها.. أظنه أرذل العمر!
١ يونيو
آه.. قرَّب اليوم إياه.. قرَّب
٢ يونيو
قطع.
ولكن ماذا يهمك في هذا كله؟ هذه عروسك.. حلالك، وتفك ضفائرها، وتدندن:
- وطريقي داير دواير.. يا حلوة يا أم الضفاير
- سكت ليه؟
- بوّخت.. مفهاش روح
- الروح بتيجي من المحاولة.. احكيلي!
- يا حبيبي إسمعيني
- إحكيلي!
وتنطلق الضفيرة الثانية:
الطريق إلى الرسالة المائة - الرسالة ٩٠ (يونيو ٢٠٢٥)
صقر يحلِّق فوق سماء الإسكندرية، فيرى.
جيشٌ عرمرم يتمشى بمحاذاة شاطئ الشاطبي، يسوقه ألكسندر وهو في شِكة السلاح كاملةً، ويتبعه المقدونيين نحو معركة لا فرار منها، ولا عدو فيها.
صاحب الجلالة يرقب الكلاكيت، تتدلى رأسه محمولة بخيوط أوردة العنق، مبتورة وتتدلى، وجسده معلقٌ يروح ويجيء مع رياح البحر العاتية.
خالد أنسي همام يبارز عملاقا، عملاق إلى حد أن خالد يبارز رباط حذاءه الممتد بطول طريق كورنيش كامب شيزار، ويطرق المبارز بسيفه إلى أعلى، إنه جمال عبد الناصر، يزأر كالأسد، ووجهه مشوهٌ بالدم والبثور.
سكان المدينة يسجدون، يخرون في خشوع لتمثال لصاحب الجلالة، يؤمهم رجل يرتدي عباءة سوداء ويغطي رأسه بقلنسوة طويلة، بتابع من حوله مشهد الساجدين، يمتدون حول محيط باب شرق، يسمعون عن يمينهم صرخات الناس من الهول، وعن يسارهم خفق خطوات خيل ألكسندر.
يلتفت لهم الرجل، ويعظ بالآتي:
- يا قوم.. إنه لآتٍ وإنه لبميقات.. إنه هو ربي وربكم.. وإن هو إلا رجلٌ يسعى، فأما مَن رآه منكم فعرفه على حقيقته، فليسبِّح له، وليقُل: رُحماك صانعي وراسمي بالأحبار.. رُحماك غيثٌ تنقشع له الأمطار، رُحماك خضعت لك الإسكندرية واستوت لك الأمصار.. رحماك اليوم.. وأمس، ويوم تتردد الأخبار
وعن ظهر قلب تذاكر الناس الذِكر ورددوه، رُحماه.. راسمهم بالأحبار.
وذات مساء، تسربلت في أجمل ثيابها، وخرجت إلى الكورنيش تراقب القمر، بلا سبب أو سبيل، ناداها النداء فلبّت لوهج القمر نداءه.
جلست، تنفست، ولما استعذبت نسائم المساء، أتاه ذلك النداء:
- مساء الخير
فإلتفتت في فزع، رجلٌ وحده يتمشى، يرتدي بدلة سوداء قاحلة، وعيونه لامعة، ووجهه مبيضٌ شهيٌ عصيٌ على الالتهام، هامت في هيئته برهة قبل أن تُجيب:
- مساء النور
- إيه اللي خرجك في وقت زي ده؟ مسمعتيش عن اللي حاصل في اسكندرية؟
- سمعت.. بيقولوا في حاجة كبيرة، بس محدش عارف ايه هي
- وانتي مش مصدقة؟
- مصدقة.. بس قلبي مليان بالغم.. غم إسكندرية ملوش مكان
- عشان كده خرجتي للقمر؟
بث فيها بعينيه الواسعتين بهجة وهياج بربري للجنس فكأنما اصابها المصاب في الأوصال، والتفتت بإرتعاش نحو قمر رابض في سماء سوداء، ولونه وانعكاس المدينة المشتعلة يتلألأ على وجه الماء.
- قمر جميل.. وانت جميل
- انا دايما جميل.. ايه اللي شاغل قلبك؟
- حب قديم.. مش بيموت، بشوفه في كل مكان
- وإيه كمان؟
نظرها، فإقتربت، تنفست نسائم وجهه بلهفة الجائع، وقالت تضطرب كلماتها:
- و.. وكفرت بإسكندرية.. وأوجاع اسكندرية
- اسكندرية قدر
- وانت؟
ابتسم، وهمت به فهم بأحوالها، شملها من أعلاها إلى اسفلها، أسقط برد اقترابه فوق جمر رغبتها فصار الغليان، ولما صارا وجهًا لوجه، كفًا لكف، ولما أغمضت عيناها، رأت.
رأت بحر يفيض، رأت آلهة من السماء تتساقط، رأت رمحًا عملاقا ينخر ببطء فيجتاز أوصالها وهي تنزلق فوقه من أسفلها إلى أعلى، رأت قردًا ينكحها ويسيل لعابه، رأت يوم الحساب، والإسكندرية يغمرها العفن والذباب، رأت ملائكة، رأت وجهها يذوب، وتُبعث، وتذوب، وتُبعث، وترى وجه هذا الرجل أطيافا بين الموت والبعث.
صرخت، تُبعده عنها بكل ما تملك، فما تملك سوى أن تقترب.
صرخت، تود لو تموت، لو تتوقف الأحلام.
همس:
- كفرتي بإسكندرية
تمتمت في رعب:
- سامحني.. سا.. رُحماك.. رُحماك راسمي بالأ..
ولم تتمها، ونساها الناس.
قطع.
ولكن قلبي خفّاق بالخوف من طمأنينة لا يأمن لها.. فيدندن.. يدندن:
- طريقي داير.. داير دواير
- ماتسكتش!
- أكتر من كده أخش في الضلمة، مطلعش منها!
- إحكيلي!
تفرَّقت الضفيرة الثالثة:
مسجون في العمر إللي فات - الرسالة ٩٠ (يونيو ٢٠٢٥)
يحقد على ذاته التي كانت، أنها كانت، وهو لا يزال.
وفي ليلة معتمة إستتر فيها القمر بغيوم رمادية، شهد الناس
الخوف هو موقف مستمر من الحياة، أما السكينة فهي استراحة لإلتقاط الأنفاس.
قطع.
هو كل ما يقول التوبة - الرسالة ٩٠ (أغسطس ٢٠٢٥)
هناك رب ولا شك، وإلا فمن يحرك كل هذه المصائر في الخفاء؟ الإجابة: خطايانا.
خريف ٢٠٣٩ - الإسكندرية
المدينة ملتهبة، يلطمها الموج وينقر أرصفتها المطر، أما هو فهائم بأقلامه والورق في حقيبة يده، وأمام لافتة الكافيتيريا وجد الرحمة، تقول: كاليثيا.
جلس، واقترب منه نادل شاب، معتاد على هيئة أمثاله، مَن تنتهي ليلتهم بسكرٍ معربد، أو بأساطيل البيرة والمقبلات.
- مساء الخير يا فندم
- مساء النور.. في قهوة؟
سيطر النادل على وجهه وقال:
- أكيد يا فندم
- دابل بعد إذنك
- حا..
- مية، بس كده
وأحضر ما أحضر، ومع أول أنفاس السيجارة فَرَش هو أوراقه وأقلامه، وما أن رفع يده يخط كلمة تائهة حتى تلفت الناس من حوله، وقال قائل بعيد المجلس عالي الصوت:
- هو حضرتك أدهم رفعت فايد؟
لم يرد، قال آخر:
-
قطع.
- حبيبتي.. أنا خايف
- إنت متخافش طول ما إنت بتحكي
- طريقي.. داير.. دواير!
وتحررت الضفيرة الرابعة:
من أين يؤكل صاحب الجلالة؟ - الرسالة ٩٠ (أكتوبر ٢٠٢٥)
كَم يأكل منا القلق؟ وهل يشبع الخوف بما يلتهمه من الايام؟ وهل يمد الإسكندر يده الآن أم ينتظر أن يستقر الجثمان؟
قال خالد وعيناه منسحبتان:
- هناكل صاحب الجلالة؟
رفع الإسكندر كفّه ولوَّح بجوع الوحوش:
- هناكل زي ما بنتاكل!
حول جثمان مسجّى على أسفلت الكورنيش تتحلق باقة من الجائعين والجائعات، وجثمان صاحب الجلالة تلفعه نسائم خريف يتأنى ويرهِب حرمته صوت اضطرام الموج صافعًا صخور كورنيش الشاطبي الواسع.
تفوه يحيى، برقة:
- هناكل ايه ولا ايه؟
مد الإسكندر كفه فغرز، انفجر الدم من صدر الجثمان وتمدد، فينتزع ألكسندر من بين الشحم والجلد والعظام قلبًا ما يزال نابضًا بحياة تخفى على الجميع.
- عايش؟
لم يلفظ ألكسندر بكلمة، ورشف الدم، وقضم القلب.
ارتجف رأسه، نبض قلبه، سرحت عيناه، ورأى:
خريف ما - عصر السادس من نوفمبر:
- أحمد يوسف رمزي.. إنت باباك اسمه يوسف رمزي لوحده فعلا؟
ابتسم، وقال مازحًا:
- وانا اسمي احمد يوسف رمزي لوحدي برضو
وضحك رغم أنها لم تفهم، وأتبع:
- شوفي ال..
قاطعه سعال جاف من الأعماق.
- أحمد انت لازم تخف سجاير
- مش أبطلها؟
- إنت مش بتبطل أي حاجة تعاندك
سبح في عيناها طويلاً، وود لوهلة لو يبكي.
عاد ألكسندر من حيث كان، وجهه وكأنما إمتصه الخوف.
مدوا الأيادي، غرزوا الأظافر، تناحروا بالنَحر فوق جيفة لا تنطق.
قطم خالد من الرقبة. إرتجف رأسه..نبض قلبه.. سرحت عيناه.
ربيع قديم - ساعة لا تُرى فيها الشمس بالصباح:
- بتقولك وبحبّك ع طريق غياب.. بمدى لا بيت يخبينا.. ولا باب
هامت، وأنّ صوتها في داخلها بلا حديث، فسأل:
- ايه؟
- كمِّل
- بس كده
وبحركة عفوية اقتربت فقبّلت عنقه، وعادت في خجل تعبث في حاجياتها.
بعد أسابيع راودته الذكرى ذاتها، غير أنها كانت على هيئة ربة رومانية، وكان هو في هيئة كلب أجرب، ولم يتوقف عن حك رقبته طوال اليوم.
أفاق خالد بعيون تائهة، ويحيى يمد كفًا الى الوجه فيشوه معالمه،
قطع.
- حبيبتي.. كل حاجة دواير دواير!
وإنفرطت الضفيرة الخامسة:
إنا رأيناه - الرسالة ٩٠ (أكتوبر ٢٠٢٥):
هناك كلمة، تنطلق من رأسه ولا تبلغ لسانه، لا يدري ما هي.
- حركة!
الكلاكيت مشغول، صوت وردة المطلوب لهذا المشهد أعلى من المعتاد، وألكسندر لا يكف عن رمي النكات:
- ذكرياته يا ذكرياته.. هيطرشنا بذكرياته!
تصدح وردة من مسجلٍ بعيد، ويتردد صوتها متمشيًا في كل مساحة:
ذكرياتي يا ذكرياتي
يانا منك يا ذكرياتي
أدرج مدير التصوير الرول في العجلة، راقب المنظر من العدسة فرأى خالد يثرثر مع حورية ومن خلفهما شاطيء الشاطبي يلطم موجه صخره ويستصرخ موجه بحره وينجذب موجه بمده نحو إنسكاب خلف شمس العصر الباردة.
قال بثقة، وبصوت عالٍ:
- جاهزين جلالتك
- دين أن حركة!
انتفض الكلاكيت وفر نحو الكاميرا، وانفض الجمع، وصرخ:
الجاسوس - الجزء التاني - مشهد ٨٠:
خالد: بس يا ستي.. ومطولتش في مدريد.. رجعت طوالي على فيينا
ذكرياتي يا ذكرياتي
يانا منك يا ذكرياتي
حورية: طالعين بيك السما في حكاية فيينا دي يا دكتور
خالد: صحيح؟
حورية: بيقولوا انك ناصري
مر وجه عبد الناصر بعروق منتفخة يصرخ بكلام لا يسمع منه حرفًا، وقال:
خالد: بعد الشر
حورية: ايه ساداتي؟
خالد: هو بقى في ساداتية؟
حورية: إنت مت..
إهتزت الأرض من تحتها، إنسكب الموج من فوق أسوار الكورنيش القصيرة فأغرق طاقم العمل واطلق عروق الماء فوق الأسفلت، إرتفع رزاز وصراخ وهلع.
ذكرياتي يا ذكرياتي
يانا منك يا ذكرياتي
ألكسندر: في ايه؟
الكلاكيت: فين صاحب الجلالة؟!
خالد: إنتي كويسة؟
يحيى: هو راح فين؟!
ماجدلينا: هو إيه اللي فوق ده؟
قطع.
- أنا بتوه يا أم الضفاير!
مدت كفها وراء ظهرها فأمسكت بكفه وقالت:
- طريقك.. داير
- داير دواير!
وتفرقت ضفيرتها السادسة:
عملاق إسمه: ديسمبر - الرسالة ٩٠ (ديسمبر ٢٠٢٥):
سؤال للجمهور: هل من خلاص؟
أجابت ماجدلينا، وهي مرتاحة على كفيّ خالد، وخارج غرفتهما المترعة بالحب والرغبة تمت مدريد كحلمٍ غائم لا ينتهي:
- كلا يا يايا.. الحياة سباق دائم مع النفس والواقع
وإبتسم خالد، ولم يرد، يشغله الآن تقرير سيكتبه عن مجريات الأمور في دوائر العرب بأسبانيا، وسيرسله في القريب العاجل إلى عنوان في لندن، ولكنه سينتهي في تل أبيب.
أما هي، فأجابت يحيى بوجه باسم، وبطلاقة تتناسب مع نهديها المرتاحان على بطنه:
- خلاص من ايه يا يحيى؟ هي الحياة كده.. خد وهات، وساعات خد بس، فا خد وانت مبسوط
داعب وجهها عبثا، ولطم نهدها العاري بمرح كاذب، وفقد بلا مقدمات كل الشهوة التي افرغها في عراكهما منذ قليل، وراح يفكر كيف يضيف لوجه الاسكندر أكثر، كيف يجعله يقول ما يخشاه؟
والأخرى، كانت تمد راحت كفها فوق كفه، وتعبث بخطوط محفورة فيها وتود لو تقرأ إذا ما كُتب لها أن تحيا مع هذا الكف أم انها صفحة ستطوى كما الأخريات، وقالت:
- يعني ايه خلاص؟ ده سؤال في رواية يعني؟
لم يرد، فأتبعت:
- خلاص اللي هو حرية؟ معتقدش، الحرية دي سجن كبير، داير ما يدور، بتدور فيه لحد ما تدوخ ومتلاقيش حاجة
إبتسم للفلسفة، داعب كفها بعنف وكأنه يقول لها اشياء، وهو لا يعني منها شيئا، واطرق برأسه ناحية البحر الممتد، يفكر.. كيف يدمر الإسكندرية؟
وفي الصباح التالي، ارتفع موج الإسكندرية حد أن البحر راح يلطم الأبنية والسكان، راح يزيل الخطوات من الاسفلت ويمحو ما رأت صخوره من اعترافات في الخفاء.
ولما اكتمل قرص الشمس، اختفى.
كست زُرقة الموت المدينة.
خرج الكلاكيت يرقب السماء.
سُمِع صوت زعيق حاد، انقطع بعد عناء.
فخرج الفتيات يلحقن بمن سقط.
سُمِعت اصوات عويل نافر، انقطع بعد لهاث.
وخرج صاحب الجلالة.
فوق وجه الموج، يتمشى العملاق
قطع.
علامات قيامة الإسكندرية: عملاق يتمشى - الرسالة ٩٠ (ديسمبر ٢٠٢٥):
تصرخ السماء برعد مجلل، يندهش الأسفلت بأشعة البرق، ويلطم موج المتوسط صخور شواطئ الاسكندرية العجوز صفعة تلو الأخرى.
جلست الفتاة بين يدي العجوز تبكي وتأن كالنعجة، فهدهدت العجوز على وجهها وقالت:
- مهلاً يا بنيتي مهلاً.. قُصي عليّ مما رأيتِ
- أماه.. لعمري إني رأيت مما يرى الأموات!
وبدأت تقص ما رأت.
…
جلسوا حول نار تشتعل فوق أسفلت طريق الشاطبي المبلل، من خلفهم ترتفع مكتبة الإسكندرية فتعكس وجه القمر البارز في السماء كبثرة لا تندمل بصفحات من الفضاء السرمدي، وموج البحر كما هو، يلطم الصخر فينطلق صوت اللطمة في الأنحاء.
قال ألكسندر:
- أين سكان هذا البلد؟
فيرد خالد أنسي ردًا متهكمًا:
- أما سمعت عمّا يقول الناس من نهاية المدينة؟
- أي نهاية تلك التي تأتي دون أن آذن لها!
فقال يحيى بأسى:
- ما عدت تملك من هذي الأرض شيئا.. ولا حتى صاحب الجلالة
- ولكن لصاحب الجلالة ما بين تلك السماء وهذه الأرض!
تمتم خالد:
- ليته!
…
“كان الليل يسوَد مع الساعة يا أماه، وكنت أسير في الفضاء السابح فيما بين كورنيش الإبراهيمية وكليوباترا، ولما بلغت أقصى إتساع للكورنيش، وفرغ الطريق من السيارات والناس، سمعت منادٍ”
- يا فتاة!
“فإلتفت له.. فإذ به صاحب الجلالة!”
- سيدي ومولاي! ماذا تفعل ههنا في تلك الساعة؟
- ماذا تفعلين أنتِ ههنا في ملك يميني؟
- أطرق الشوارع بلا دليل، اطوف رحاب ملكوتكم المأمون
- ولمن مُلك هذه الأرض يا فتاة؟!
- لكم مولاي
- ولمن مُلك حُرمتكِ يا فتاة؟!
- لعزيز شهوتك يا سيدي
- وإ
قطع.
علامات قيامة الإسكندرية - الرسالة ٩٠ (يناير ٢٠٢٦)
لإقتراب الكارثة علامات عدة، أولها، أن تنكر أن هناك مشكلة من الأساس.
الآتي شذرات مما قال صاحب الجلالة في مواضع مختلفة، غالبًا بصوتٍ جهور وأعصاب مستنفرة:
“مَن منا لا يريد الراحة والخلاص؟! على أني لا أريكم الا ما أرى!”
“هذه المدينة رهن كفيّ، ان شئت دمدمت عليكم سهولها وأحراشها.. ولكن لي في غير ذلك حكمة!”
“الفشل مرحلة.. والنجاح سنة هذه المدينة”
وفي ليلة ما، أفاق مفزوعًا، رأى الشمس تبرق وتلتهب، سمع صوتًا لوهجها وكأنما تنفجر طاقتها بين راحتيه، فصرخ بعلياء.
لم يجبه أحد.
وفي الصباح، إنضم يحيى إلى الكسندر وكان يستغرق في تدخين سيجارة ثقيلة، فسأله:
- ما
قطع.
ثلاثون ثانية في رأس صاحب الجلالة - الرسالة ٩٠ (فبراير ٢٠٢٦)
الثانية الأولى:
أنا الله.
الثانية الثانية:
تتخطفني الأحداث بين الكراهية والموت، وأختار العيش في غيظ على الخلود في جحيم الخسارة.
الثانية الثالثة:
لمّا أجلس معها سأقول:
- مُنى.. أنا بحبك، بس أنا مش مستعد
- إسمي سارة
الثانية الرابعة:
يفقد الخوف لذته ويفقد الحب رهبته وتفقد المرأة ألوانها حينما تتكشف الحقائق.
الثانية الخامسة:
عِش لغدك، لذا، سأبعثر أحلامي في كل مكان، وأنتظر أن تهدأ العواصف حتى أرى الشاطيء.
الثانية السادسة:
الناس ينظرونني بإعجاب، الناس بنظرونني بإعجاب، الناس.. ينظرونني.
الثانية السابعة:
يحيى خالد أنسي همام. عادل عبد الحق جاد الله. الكسندر بن فيليب الأول. جمال عبد الناصر. ياهوذا رافي.
الثانية الثامنة:
أحمد ر.. يوسف فوزي.
الثانية التاسعة:
قطع.
- أنا مكتوب عليا الدواير
- ومكتوب عليك تفك الضفاير!
الضفيرة السابعة:
الرسالة ٩٠ - الرسالة ٩٠ (مارس ٢٠٢٦):
في الليلة الأولى، رأيت أبي يبتلع الدبابير ويبتسم لي إبتسامة عالية.
وفي الليلة الثانية، رأيت فتاةً لا أعرفها، عارية، يقطر من شفتاها الدم بلون أخضر، وظلت ترسم كلمات في الهواء لم أفقه منها شيئا.
في ليلة أخرى، رأيت بضعة من الرجال، خُيِّل إليّ أنهم من الأنبياء، يقبلون قدمي ويبكون بحرقة، وهمس أحدهم في اذني بكلام لم أفهمه، ولما لم أجبه، راح ينتحب ويقطف شعر رأسه حتى الموت.
استيقظت مفزوعًا، تناولت كأسًا من النبيذ الأحمر لفعه طقس المدينة الساحلية ببرودة سماوية، وما أن رشفت منه حتى وجدت رجلاً يقف في نهاية الغرفة، يراقبني، لا أرى من ملامحه شيء، تجنبته، وعدت للنوم.
وفي نومي الثاني، وجدت أني أكتب شيئًا حميميًا، كأني أكتب مذكرات أو أخط كلامًا مهمًا خاصًا أخشى أن يطلع عليه بشر، وإذ بالقلم يتحوَّل إلى حية تسعى، وإذ بها تنزلق فتدخل في سترتي وتأكل بطني على مهل.
أفقت مفزوعًا، وخرجت إلى شوارع مدينة غريبة، مدينة أوروبية عتيقة، خرائبها التاريخية منتشرة حد أني أختنق من عبق التاريخ والحقيقة، وإنزويت إلى قاعدة تمثال شاهق لملك بائد، ورحت أبكي بحرقة، فإذا بالتمثال يتحرك، ويرحل بعيدًا.
إستقبلتني الشوارع لا ألوي على شيء، وتناطحني الطرق فأواكبها، وأمام بركة ماء، خرجت إمرأة عجوز، تضحك بصوتٍ أنثوي شاب مبهج، راحت تراقبني، ثم أشارت فإقتربت، وبهدوء راحت تنحر رقبتي بسكين صغير، تنخر في الأوردة رويدًا رويدًا.
قطع.
- داير.. داير يا أم الضفاير
وبدأت يترنح مع إنفلات الضفائر.
- وطول عمرك حاير
- صابر وعاشق وحاير.. طريقي داير دواير
وإستدارت فواجهته، فإذ بوجهها وجهه، وإذ به يرى ينفسه يبتسم.
قطع.
هذه عروسك، حلالك، وتدندنان:
- طريقي داير دواير..
- يا حلوة يا أم الضفاير!


